الشيخ السبحاني
27
مفاهيم القرآن
وَالَّذِى فَطَرَنا فَاقْضِ ما انْتَ قاضٍ انَّما تَقْضِى هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا » ( طه / 72 ) . إلى آخر ما احتجّوا به . ولم يأمر تعالى عباده في كتابه ولا في آية واحدة أن يؤمنوا به أو بشيء ممّا هو عنده أو يسلكوا سبيلًا على العمياء وهم لا يشعرون حتّى أنّه علّل الشرائع والأحكام التي جعلها لهم ممّا لا سبيل للعقل إلى تفاصيل ملاكاته ، - علّل - بأمور تجري مجرى الاحتجاجات كقوله : « انَّ الصَّلوةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُاللَّهِ اكْبَرُ » ( العنكبوت / 45 ) . وقوله : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » ( البقرة / 183 ) . وقوله ( في آية الوضوء ) : « ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » ( المائدة / 6 ) . إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول تحريم الخمر والميسر . وهذا الادراك العقلي الذي يدعو إليه القرآن ويبني على تصديقه ، ما يدعو إليه من حقّ أو خير أو نفع ، ويزجر عنه من باطل أو شرّ أو ضرّ ، هو الذي نعرّفه بالخلقة والفطرة ممّا لايتغيّر ولايتبّدل ولايتنازع فيه إنسان وإنسان ، والعجب انّ المخالفين للتفكّر المنطقي يعتمدون في اثبات دعاويهم ومقاصدهم على الأسس المنطقيّة بحيث لو حلّلت مقالهم ودليلهم لعاد على صورة أقيسة منطقية يستدل بها المخالف على بطلان الاستدلال المنطقي « 1 » . ونذكر من باب المثال قولهم : « لو كان المنطق طريقاً موصلًا لم يقع الاختلاف بين أهل المنطق ، لكنّا نجدهم مختلفين في آرائهم » ترى أنّه استعمل القياس الاستثنائي من حيث لا يشعر وأمّا الجواب : فإنّ المنطق آلة تصون الفكر عن
--> ( 1 ) . الميزان : ج 5 ص 274 - 275 .